صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
79
تفسير القرآن الكريم
والفساد ومعدنا للشياطين والظلمات وموردا للعنة اللّه ومقته أبدا مخلدا ، لقوله تعالى : مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ 16 / 106 ] . فإن من البواطن والصدور ما ينزل لزيارته في كل يوم وليلة ألف ألف من الأنبياء والأولياء عليهم السّلام لغاية صفائه ونقائه وكونه مشحونا بالمعارف الإلهية والعلوم الربانية ، والعلم صورة المعلوم وحقيقته ، فهو روضة الجنان ، ومن الأجواف ما يقع فيه في كل يوم وليلة ألف مجادلة ومخاصمة مع الناس ، ويكون معدن الكذب والظلم والوسواس ومنبع الوحشة والكدورة والغصة والعذاب الأليم واللعن المقيم ، فهو بعينه كحفرة الجحيم . فالقول والكلام إذا وقع إلى الصدر المنشرح بنور الايمان والمعرفة يتجرد عن العوارض المادية وينقشر عن الغواشي الظلمانية ، فيصير لبا خالصا معقولا لائقا لأن يتغذى به أولوا الألباب فقد وقع في دار الجنان . وإذا هوى إلى جوف الرجل الجاهل والمستجنّ في صدره المنشرح بالكفر والخسران فقد وقع في دار الجحيم ، واحترق بنيرانات ملتهبة من الحسد والشر والطغيان . فإذا علمت هذا المثال فاعلم إن الإنسان إذا مات وارتحل عن هذا العالم وانقطعت عنه حياته النباتية والحيوانية فقد بقيت له حياتان اخرويتان ، فيكون قبره الحقيقي الذي يدخل فيه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ، واطلاق القبر على ما يتعارفه الجمهور من باب التجوّز على ما يدل عليه ألسنة الشرائع الحقة ، ويشير إليه الأحاديث الصحيحة الواردة في أحوال الموتى وعذاب القبور ، لأن قبر كل إنسان يناسب صفاته وأعماله ولا يمكن مشاهدة القبر الحقيقي بهذه الحواس الدنياوية ، لأنه منزل من منازل الآخرة ، وإنما ينكشف أحوال القبور للمتجردين عن جلبات البشرية لغلبة سلطان الآخرة على بواطنهم ، وإنما قلنا : « انقطعت عنه الحياتان الدنياويتان » موضع « انعدمت » لأن الحقيق عندنا أن ما وجد من الأشياء فلا يمكن انعدامه بالحقيقة ، وإلا فيلزم أن يكون مما خرج وزال وغاب عن علم اللّه ،